عبد الكريم الخطيب

97

التفسير القرآنى للقرآن

« قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ؟ » لقد جمعوا بين الجهل والسفاهة ، فأبوا أن يقولوا « ادع لنا ربنا » وقالوا : « ادْعُ لَنا رَبَّكَ » وكأنه ربّ موسى وليس ربا لهم ! ومع هذا فقد أجابهم اللّه إلى ما طلبوا : « قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ ، عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ » أي هي من أواسط البقر في سنها ، ليست كبيرة ولا صغيرة . . والفارض هي التي ولدت مرات كثيرة ، والبكر ، التي لم تلد بعد . . فهي وسط بين هذين الطرفين . وفي قوله تعالى : « فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ » تنبيه لهم . . إن كانوا يعقلون . . أن ينتهوا عند هذا ، وألا يطلبوا وراء هذه الصفات صفات أخرى . . ولكن يأبى القوم إلا أن يلبسوا بقرتهم أثوابا لا ترى على كثير من البقر . . فعادوا إلى موسى يسألونه : « ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها » وفي كل مرة يقولون « ربّك » ولا يقولون « ربّنا » ويجيبهم الرحمن الرحيم إلى ما طلبوا : « إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ » ولم يدعهم في هذه المرة إلى أن يفعلوا ما يؤمرون ، بل تركهم وما تختار لهم أنفسهم من ركوب هذا المركب الخشن ، حتى تحفى أقدامهم وتنهدّ قواهم ! ويعودون إلى موسى مرة أخرى : « ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ، إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا » ! ! والبقر هو البقر . . يشبه بعضه بعضا ، ولكنهم يريدونها بقرة لا شبيه لها . . بقرة خلقها الخالق لهذا المطلب ، ولم يخلق مثلها . . ! ويجيئهم أمر اللّه : « إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ ، وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ ، مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها » أي إنها بقرة لم يذللها العمل ، بل هي بقرة بريّة مرسلة ، لم تستخدم في حرث الأرض ، ولا في سقى ما يحرث من الأرض ، ثم هي بريئة